الشيخ محمد رشيد رضا

256

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

خاتم النبيين في الجامعة الانسانية ، لا يمكن بسطهما إلا بمصنف كبير ، فنكتفي في هذه الخلاصة الاستطرادية في اثبات الوحي المحمدي ، بسرد الأصول الجامعة في هذا الاصلاح الانساني الداعي إلى جعل الناس ملة واحدة ، ودين واحد ، وشرع واحد ، وحكم واحد ، ولسان واحد ، كما أن جنسهم واحد ، وربهم واحد ونبدأ بالأصل الجامع في هذا ونقفي عليه بالأصول والشواهد المفصلة له ( الأصل الأول للجامعة الاسلامية الانسانية وحدة الأمة ) قال اللّه تعالى في سورة الأنبياء مخاطبا أمة الاسلام ( 21 : 92 إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) ثم بين لها في سورة المؤمنين أنه خاطب جميع النبيين بهذه الوحدة للأمة فقال ( 23 : 51 يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 52 ) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ) ولكن كان لكل نبي أمة من الناس هم قومه ، وأما خاتم النبيين فأمته جميع الناس ، وقد فرض اللّه عليهم الايمان بجميع رسله وعدم التفرقة بينهم كما تقدم ، فالايمان بخاتمهم كالايمان باولهم وبمن بينهما ، فمثلهم كمثل الملوك أو الولاة في الدولة الواحدة ، ومثل اختلاف شرائعهم بنسخ المتأخر منها لما قبله كمثل تعديل القوانين في الدولة الواحدة أيضا إلى أن كمل الدين ( الأصل الثاني ) الوحدة الانسانية بالمساواة بين أجناس البشر وشعوبهم وقبائلهم وشاهده العام قوله تعالى ( 49 : 13 يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ ) وقد بلغ النبي ذلك للأمة يوم العيد الأكبر بمنى في حجة الوداع . وهذه الوحدة الانسانية تتضمن الدعوة إلى التآلف بالتعارف ، وإلى ترك التعادي بالتخالف . ( الأصل الثالث ) وحدة الدين باتباع رسول واحد جاء بأصول الدين الفطري الذي جاء به غيره من الرسل وأكمل تشريعه بما يوافق جميع البشر ، وشاهده الأعم قوله تعالى ( 7 : 168 قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ) ولما كان الاسلام دين الفطرة وحرية الاعتقاد والوجدان جعل الدين اختياريا بقوله تعالى ( 2 : 256 لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ )